القاضي التنوخي
312
الفرج بعد الشدة
224 شفاه منام رآه أحد أصحابه حدّثني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الكاتب المعروف بالببغاء ، قال : اعتللت بحلب « 1 » علّة ، جفّ منها بدني كلّه ، فكنت كالخشبة ، لا أقدر على أن أتحرّك أو أحرّك ، ونحل جسمي ، وتقلّبت بي أعلال متّصلة متضادّة صعبة ، فمكثت حليف الفراش ثلاث سنين ، وآيسني الأطبّاء من البرء ، وقطعوا مداواتي . وكان لي صديق شيخ يعرف بأبي الفرج بن دارم ، من أهل بلدي - يعني نصيبين - مقيم بحلب ، مواظب على عيادتي ، وملازم لي ، وكان لفرط اغتمامه بي ، وأنّ الأطبّاء قد آيسوه منّي ، يظهر لي من الجزع عليّ أمرا يؤلم قلبي ، ويؤيسني من نفسي ، ثمّ تجاوز ذلك إلى التصريح باليأس ، وتوطيني عليه ، ثمّ تعدّى هذا إلى أن صار لا يملك دمعته إذا خاطبني . فضعفت عن تحمّل هذا ، وتضاعفت به علّتي ، وخارت معه قوّتي ، فاعتقدت أن أقول لغلامي أن يترصّده ، فإذا جاء الرّجل إليّ قال له عنّي : إنّي لا أستحسن حجابه ، وإنّ علّتي تضاعفت ممّا أشاهده ، وأسمعه منه ، ويسأله أن ينقطع عنّي ، أو يقطع مخاطبتي بما فيه إياس لي ، وقرّرت عزمي على هذا في ليلة من اللّيالي ، ولم أخاطب به غلامي .
--> ( 1 ) كان أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي ، في عنفوان أمره ، وريعان شبابه ، متّصلا بسيف الدولة الحمداني ، مقيما في جملته ، في حلب حاضرة ملكه ، ثم تنقلت به بعد وفاة صاحبه الأحوال ( اليتيمة 1 / 252 ) .